الأحد , 17 يونيو , 2018



الإقتصاد المسموم ودولة العسكر في مصر (٢)
الحلقة الثانية : علي مدونة الجزيرة ،
بقلم الدكتور حسام الشاذلي،
المستشار السياسي والاقتصادي الدولي ، السكرتير العام للمجلس المصري للتغيير...

في الحلقة السابقة من هذه السلسلة توقفنا عند طرح سؤال رئيسي وهام حول كيفية تفسير الحالة الفريدة والعجيبة لمنظومة الإقتصاد المصري والتي تخرج علينا فيها مؤسسات دولة السيسي لتعلن عن مؤشرات متتالية تشير إلي تعافي الإقتصاد المصري ، في حين يصاحب هذا التعافي المزعوم تدني غير مسبوق في مستوي الحالة المعيشية للأفراد مع إستمرار إرتفاع معدلات البطالة وإنخفاض مستوي الجودة الحياتية لأدني مستوياتها وكذلك إرتفاع حد الفقر بصورة غير مسبوقة.

النظرية والمفهوم :

وهنأ أود الإشارة بأن كريستيان لاكوب Cristian Iacob الباحث بالمعهد الإقتصادي الروماني كان قد طرح تعريفا للمنظومات الإقتصادية الفاشلة في بحثه المنشور عام ٢٠١٥ تطبيقا علي الحالة الرومانية أشار فيه إلي كون المنظومات الإقتصادية الفاشلة تعرف بأنها غير قادرة علي توفير مناخ يعمل علي تحسين مستوي معيشة المواطنين لصورة مستمرة، كما أن أي كمية من الأموال تضخ في هذه المنظومة تستهلك بصورة غير منتجة،

ولا شك بأن هذا التعريف يدعم المفهوم الحديد الذي أطرحه بعنوان الإقتصاد المسموم Toxic Economy وخاصة عند ربطه بالحالة المصرية ،
أضف إلي ذلك كوني أجزم في ورقتي العلمية والمقالات المصاحبة لها بأن منظومة الإقتصاد المسموم هي منظومة مؤسسية ضاربة بجذور عميقة في تاريخ الدولة العسكرية الحاكمة في مصر ،

'أعتقد أن السياسيين في مصر منذ عام ١٩٥٢ قد دأبوا علي بعث رسائل كاذبة ومفبركة تصف مجهوداتهم الدائمة من أجل تحسين الظروف المعيشية للطبقة الكادحة ولمحدودي الدخل وتصف إنجازاتهم في هذا المجال ، ولم تخلوا أحاديثهم وخطبهم من هذه الأكاذيب في غالبها حيث زادت بصورة غير مسبوقة في عهد السيسي '،
فعلي سبيل المثال كان جمال عبد الناصر يدعي دائما أنه يبني اقتصادا اشتراكيا يضع الطبقة العاملة علي أول أولياته ، وأنه يعمل من أجل رفع مستوي الكادحين في البلاد ، ولم يختلف عبد الفتاح السيسي عن هذا الطرح ولم يخرج عن إطار إرسال نفس الرسائل الوهمية والكاذبة ولكن بصورة تناسب المنظومة الإقتصادية التي يعمل من خلالها ، فهو يطالب الجميع بالصبر ويعدهم بالرخاء ويحكي لهم قصص المشاريع العملاقة الناجحة والقصة مستمرة ،

ولكن حقيقة الأمر أن الكلام لم يطابق الواقع في تلك المنظومة أبدا ، فغالبية السياسات والاستراتيجيات والإصلاحات إذا ما صحت التسمية منذ عهد عبد الناصر وإلي السيسي باتت تركز علي تحسين صورة الإقتصاد الكلي Macroeconomics في عيون العالم من أجل تحسين العلاقات الدولية والحصول علي المزيد من القروض والمساعدات ، فمنذ عهد عبد الناصر الذي وعد المصريين بسفينة الفضاء والقاهر والظافر والجيش المصري الذي دخل تل أبيب ، إلي عهد أوهام السيسي وفنكوش القناة وعلاج الإيدز وإتخاذ القرارات الإقتصادية المتطرفة كزيادة أسعار تذاكر المترو أضعافا مضاعفة وزيادة الضرائب علي السلع الأساسية ومصر التي ستكون من أغني دول المنطقة وأخيرا الأفضل الذي لم يأتي بعد والذي من الواضح أنه لن يأتي أبدا ، والمأساة مستمرة ،

ويبدو أن عبد الناصر والسيسي يتشاركان في العديد من ملامح تلك المنظومة السياسية الإقتصادية العجيبة ، ففي التقرير السري الصادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA في مايو ١٩٦٦ والذي تم السماح بتداوله في عام ٢٠٠٠ ، ويحمل عنوان " تقييم الحالة الإقتصادية المصرية في ضوء العجز في الموازنة العامة "Deficit Financing of Economic Progress in Egypt ، أكد التقرير علي أن مصر ستظل معتمدة بصورة كبيرة علي القروض الخارجية ، وعلي كون مصر قد حصلت علي مساعدات مالية خارجية أكبر بأربع مرات من تلك التي كانت تحصل عليها من المعسكر الشرقي قبل ذلك ،

ويبدو أن السيسي لا يختلف كثيرا عن ذلك ، فالمنظومة الإقتصادية في عهده هي منظومة تقوم علي القروض والمساعدات بما في ذلك قرض ال ٢١مليار دولار الروسي لبناء مفاعل الضبعة والذي تحوم حوله الكثير من الأسئلة والشبهات ، حيث تم توقيع نفس التعاقد مسبقا في عهد مبارك بقيمة لا تتعدي ربع القيمة الحالية ، وأكثر من ١٠ مليارات من الدولارات قروض من الخليج وأضعاف هذا المبلغ كمساعدات غير مستردة ، أضف إلي ذلك قرض صندوق النقد الدولي بقيمة ١٢ مليار دولار وغيرها الكثير والكثير ، وأخيرا وليس آخرا عقد إستيراد الغاز من إسرائيل بقيمة ١٥ مليار دولار والذي وضع مصر في ارتباط إقتصادي حساس مع عدوها الطبيعي لفترة ليست بالقصيرة،
ولا شك أن السيسي وعبد الناصر تجمعهما إستراتيجية إقتصادية فاشلة ووهمية لم تحقق أي رخاء لمصر ولا للمصريين ، إضافة إلي ذلك فهما يتشابهان في المنظومة الحاكمة القمعية والتي تغيب فيها الحريات وتمتلئ فيها المعتقلات بالسياسيين ومعتقلي الرأي ويتم إستخدام التعذيب الممنهج كوسيلة أساسية لإخضاع المعارضين السياسيين وتصفية الخصوم ،

أضف إلي ذلك أيضا ، أن فترة حكم السيسي توصف بكونها من أشد العصور القمعية و الغير آدمية في تاريخ مصر الحديث طبقا لتقارير المراقبين الدوليين والتي تشير إلي تواجد أكثر من ٥٠ ألف معتقل سياسي خلف القضبان ، آلاف القتلى في مظاهرات سلمية ومواجهات مع أجهزة الأمن ، زيادة مضطردة في عدد حالات الاختفاء القسري وهؤلاء الذين فقدوا حياتهم داخل السجون وبعد خروجهم منها نتيجة لمنهج التعذيب والظروف الغير آدمية داخل المعتقلات، كما تشير التقارير إلي عدد كبير من الفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب داخل أقسام الشرطة وفي غياهب السجون ، وكذلك عدد الأطفال في المؤسسات العقابية المصرية، كما تفرد السيسي بكونه الحاكم الوحيد في تاريخ مصر الحديث الذي أعتقل مرشحي الرئاسة في إنتخابات ٢٠١٨، هذه كلها حقائق ووقائع يجب أن نتوقف عندها بالتحليل والاستقصاء والدراسة عندما نحاول توصيف المنظومة الإقتصادية المصرية تحت المفهوم الجديد الذي أطرحه هنا في هذا المقال والورقة العلمية المصاحبة ، والذي أعرفه "بالإقتصاد المسموم " ،

التعريف والتوصيف :
إن تعريفي المطروح لمنظومة الإقتصاد المسموم يمكن تلخيصه فيما يلي :
إن الإقتصاد المسموم هو ذلك النوع من المنظومات الإقتصادية الذي لا تنعكس أرقام ومؤشرات إقتصاده الكلي علي مستوي معيشة الأفراد ولا يخدم التوزيع العادل للثروات داخل المجتمع ،

ويتبني هذا النوع من المنظومات الإقتصادية سياسات وآليات تضحي بكل مقاييس جودة الحياة للمواطن العادي ، وتتجاهل التأثيرات السلبية والمدمرة علي مستوي معيشة المواطنين من أجل تجميل الصورة العامة للنظام من خلال اتفاقيات دولية غير مدروسة كقرض صندوق النقد الدولي الأخير في مصر ،

كما أنني أري أن الإقتصاد المسموم هو ذلك النموذج الإقتصادي الذي يوظف آليات وأدوات مجحفة وسياسات إقتصادية متطرفة من أجل تحقيق أهدافه ، كما في حالة خفض الدعم علي المحروقات والوقود وزيادة الضرائب وتعويم الجنيه وزيادة أسعار تذاكر وسائل النقل العام في مصر ، وتتميز منظومات الإقتصاد المسموم الحاكمة كونها لا تلقي بالا لاعتراض المواطنين علي تلك القرارات والآليات المصاحبة ، بل وتوظف القوة القمعية والأجهزة الأمنية من أجل تمرير هذه القرارات وإخضاع المواطنين لها ،

كما تلجئ منظومات الإقتصاد المسموم والأنظمة التي تديرها إلي توظيف جميع الأدوات الإعلامية من أجل تغييب الوعي العام ونشر الأكاذيب والأوهام حول مدي فاعلية سياستها الاقتصادية ، وتطلب دائما من المواطنين الانتظار والتضحية من أجل يوم الرخاء الذي لا يأتي أبدا ، كما يتم توجيه هذه المنظومة الإعلامية الفاسدة لمهاجمة وتخوين أي قلم أو فكر يعترض علي تلك القرارات الإقتصادية أو يحاول نشر الوعي بين المواطنين ، ويظهر ذلك جليا في الحالة المصرية عند رصد دور الإعلام الحكومي في مشروع تفريعة قناة السويس والمؤتمر الإقتصادي وقرض صندوق النقد الدولي وغيره ،
إن الإقتصاد المسموم هو ذلك النوع من الإقتصاد الذي تبني فيه الأحلام علي أوهام وأكاذيب ، ولا تري فيه الأرقام طريقا لحياة المواطنين ولا لواقعهم ،

فكيف يمكننا فهم العلاقة بين الرخاء الإقتصادي والإستقرار السياسي Linking Prosperity to Political Stability
في ضوء هذا المفهوم الجديد للإقتصاد المسموم وكيف يمكننا إدراك التأثير المدمر لدولة العسكر في مصر علي المنظومة الإقتصادية المصرية وعلي إمكانية تحقيق الرخاء ورفع مستوي معيشة الأفراد، ذلك ما سوف نحاول إزاحة الستار عنه في الحلقة القادمة من تلك السلسلة، فإنتظرونا .


الناشر: #Hossam_El-Shazly

القراء 0

التعليقات


مقالات ذات صلة

حسابات الأفراد والشركات قد تراقَب بمصر .. وخبراء يحذرون

القضاة المسيسين، وإعلام المحششين ، ومحاكمات الانقلابيين للمجلس المصري للتغيير ،

ما حقيقة تصدّر القاهرة قائمة المدن الأكثر تلوثا بالعالم؟

كل عام وأنتم بكل خير ،

نص نداء السفير السابق "معصوم مرزوق"

مبادرة هامة الخارطة طريق بهدف الخروج من الأزمة المصرية

مبادرة سعادة السفير معصوم مرزوق

إلي كل من يهمه الأمر،

الحرية # لأحمد المقدم

الدكتور حسام الشاذلي السكرتير العام للمجلس المصري للتغيير يخاطب مكتب رئيس الوزراء الإيطالي

مصر _ السعوديه ، الدرس الأخير ، من عك المهابيل ،

الاقتصاد والانتخابات في تركيا.. والأيدي الخفية

#عندما_يصبح_الموت_فرضا

الاقتصاد والانتخابات في تركيا: الأيدي الخفية (1)

Economy and Elections in Turkey: The Invisible Hands

مصر -روسيا : بين نجاح الفرد وفشل المجموعة ....

الإقتصاد و الإنتخابات في تركيا : الأيدي الخفية

مفهوم الإقتصاد المسموم والتطبيقات علي الحالة المصرية ، بقلم الدكتور حسام الشاذلي

تعليق الدكتور حسام الشاذلي حول خطة حكومة السيسي لزيادة الضرائب المفروضة علي الشعب المصري المطحون ،

الإقتصاد المسموم ودولة العسكر في مصر (٢)

سامحوني ، فكم أحببت العيد في مصر ........ كل عام وأنتم بخير

وكل عام وأنتم بخير عيد مبارك

الاقتصاد المسموم ودولة العسكر في مصر (2)

A Toxic Economy: The Egyptian Model by Hossam ElShazly

هل هناك "بشارة" في نقل السفارة؟ دكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والإقتصادي الدولي