السبت , 9 يونيو , 2018


في الحلقة السابقة من هذه السلسلة توقفنا عند طرح سؤال رئيسي وهام حول كيفية تفسير الحالة الفريدة والعجيبة لمنظومة الاقتصاد المصري والتي تخرج علينا فيها مؤسسات دولة السيسي لتعلن عن مؤشرات متتالية تشير إلى تعافي الاقتصاد المصري، في حين يصاحب هذا التعافي المزعوم تدني غير مسبوق في مستوي الحالة المعيشية للأفراد مع استمرار ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض مستوي الجودة الحياتية لأدني مستوياتها وكذلك ارتفاع حد الفقر بصورة غير مسبوقة.


النظرية والمفهوم
وهنا أود الإشارة بأن كريستيان لاكوب Cristian Iacob الباحث بالمعهد الاقتصادي الروماني كان قد طرح تعريفا للمنظومات الاقتصادية الفاشلة في بحثه المنشور عام ٢٠١٥ تطبيقا علي الحالة الرومانية أشار فيه إلى كون المنظومات الاقتصادية الفاشلة تعرف بأنها غير قادرة علي توفير مناخ يعمل علي تحسين مستوي معيشة المواطنين لصورة مستمرة، كما أن أي كمية من الأموال تضخ في هذه المنظومة تستهلك بصورة غير منتجة. ولا شك بأن هذا التعريف يدعم المفهوم الجديد الذي أطرحه بعنوان الاقتصاد المسموم Toxic Economy وخاصة عند ربطه بالحالة المصرية، أضف إلى ذلك كوني أجزم في ورقتي العلمية والمقالات المصاحبة لها بأن منظومة الاقتصاد المسموم هي منظومة مؤسسية ضاربة بجذور عميقة في تاريخ الدولة العسكرية الحاكمة في مصر.

أعتقد أن السياسيين في مصر منذ عام ١٩٥٢ قد دأبوا علي بعث رسائل كاذبة ومفبركة تصف مجهوداتهم الدائمة من أجل تحسين الظروف المعيشية للطبقة الكادحة ولمحدودي الدخل وتصف إنجازاتهم في هذا المجال، ولم تخلوا أحاديثهم وخطبهم من هذه الأكاذيب في غالبها حيث زادت بصورة غير مسبوقة في عهد السيسي. فعلي سبيل المثال كان جمال عبد الناصر يدعي دائما أنه يبني اقتصادا اشتراكيا يضع الطبقة العاملة علي أول أولياته، وأنه يعمل من أجل رفع مستوي الكادحين في البلاد، ولم يختلف عبد الفتاح السيسي عن هذا الطرح ولم يخرج عن إطار إرسال نفس الرسائل الوهمية والكاذبة ولكن بصورة تناسب المنظومة الاقتصادية التي يعمل من خلالها، فهو يطالب الجميع بالصبر ويعدهم بالرخاء ويحكي لهم قصص المشاريع العملاقة الناجحة والقصة مستمرة.


المنظومة الاقتصادية في عهد السيسي هي منظومة تقوم علي القروض والمساعدات بما في ذلك قرض ال ٢١مليار دولار الروسي لبناء مفاعل الضبعة والذي تحوم حوله الكثير من الأسئلة
ولكن حقيقة الأمر أن الكلام لم يطابق الواقع في تلك المنظومة أبدا، فغالبية السياسات والاستراتيجيات والإصلاحات إذا ما صحت التسمية منذ عهد عبد الناصر وإلي السيسي باتت تركز علي تحسين صورة الاقتصاد الكلي Macroeconomics في عيون العالم من أجل تحسين العلاقات الدولية والحصول علي المزيد من القروض والمساعدات، فمنذ عهد عبد الناصر الذي وعد المصريين بسفينة الفضاء والقاهر والظافر والجيش المصري الذي دخل تل أبيب، إلى عهد أوهام السيسي وفنكوش القناة وعلاج الإيدز واتخاذ القرارات الاقتصادية المتطرفة كزيادة أسعار تذاكر المترو أضعافا مضاعفة وزيادة الضرائب علي السلع الأساسية ومصر التي ستكون من أغني دول المنطقة وأخيرا الأفضل الذي لم يأتي بعد والذي من الواضح أنه لن يأتي أبدا، والمأساة مستمرة.

ويبدو أن عبد الناصر والسيسي يتشاركان في العديد من ملامح تلك المنظومة السياسية الاقتصادية العجيبة، ففي التقرير السري الصادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA في مايو ١٩٦٦ والذي تم السماح بتداوله في عام ٢٠٠٠، ويحمل عنوان "تقييم الحالة الاقتصادية المصرية في ضوء العجز في الموازنة العامة "Deficit Financing of Economic Progress in Egypt، أكد التقرير علي أن مصر ستظل معتمدة بصورة كبيرة علي القروض الخارجية، وعلي كون مصر قد حصلت علي مساعدات مالية خارجية أكبر بأربع مرات من تلك التي كانت تحصل عليها من المعسكر الشرقي قبل ذلك.


ويبدو أن السيسي لا يختلف كثيرا عن ذلك، فالمنظومة الاقتصادية في عهده هي منظومة تقوم علي القروض والمساعدات بما في ذلك قرض ال ٢١مليار دولار الروسي لبناء مفاعل الضبعة والذي تحوم حوله الكثير من الأسئلة والشبهات، حيث تم توقيع نفس التعاقد مسبقا في عهد مبارك بقيمة لا تتعدي ربع القيمة الحالية، وأكثر من ١٠ مليارات من الدولارات قروض من الخليج وأضعاف هذا المبلغ كمساعدات غير مستردة، أضف إلى ذلك قرض صندوق النقد الدولي بقيمة ١٢ مليار دولار وغيرها الكثير والكثير، وأخيرا وليس آخرا عقد استيراد الغاز من إسرائيل بقيمة ١٥ مليار دولار والذي وضع مصر في ارتباط اقتصادي حساس مع عدوها الطبيعي لفترة ليست بالقصيرة.

ولا شك أن السيسي وعبد الناصر تجمعهما استراتيجية اقتصادية فاشلة ووهمية لم تحقق أي رخاء لمصر ولا للمصريين، إضافة إلى ذلك فهما يتشابهان في المنظومة الحاكمة القمعية والتي تغيب فيها الحريات وتمتلئ فيها المعتقلات بالسياسيين ومعتقلي الرأي ويتم استخدام التعذيب الممنهج كوسيلة أساسية لإخضاع المعارضين السياسيين وتصفية الخصوم. أضف إلى ذلك أيضا، أن فترة حكم السيسي توصف بكونها من أشد العصور القمعية والغير آدمية في تاريخ مصر الحديث طبقا لتقارير المراقبين الدوليين والتي تشير إلى تواجد أكثر من ٥٠ ألف معتقل سياسي خلف القضبان، آلاف القتلى في مظاهرات سلمية ومواجهات مع أجهزة الأمن، زيادة مضطردة في عدد حالات الاختفاء القسري وهؤلاء الذين فقدوا حياتهم داخل السجون وبعد خروجهم منها نتيجة لمنهج التعذيب والظروف الغير آدمية داخل المعتقلات.



كما تشير التقارير إلى عدد كبير من الفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب داخل أقسام الشرطة وفي غياهب السجون، وكذلك عدد الأطفال في المؤسسات العقابية المصرية، كما تفرد السيسي بكونه الحاكم الوحيد في تاريخ مصر الحديث الذي أعتقل مرشحي الرئاسة في انتخابات ٢٠١٨، هذه كلها حقائق ووقائع يجب أن نتوقف عندها بالتحليل والاستقصاء والدراسة عندما نحاول توصيف المنظومة الاقتصادية المصرية تحت المفهوم الجديد الذي أطرحه هنا في هذا المقال والورقة العلمية المصاحبة، والذي أعرفه -بالاقتصاد المسموم.

التعريف والتوصيف
إن تعريفي المطروح لمنظومة الاقتصاد المسموم يمكن تلخيصه فيما يلي:

إن الاقتصاد المسموم هو ذلك النوع من المنظومات الاقتصادية الذي لا تنعكس أرقام ومؤشرات اقتصاده الكلي على مستوي معيشة الأفراد ولا يخدم التوزيع العادل للثروات داخل المجتمع. ويتبني هذا النوع من المنظومات الاقتصادية سياسات وآليات تضحي بكل مقاييس جودة الحياة للمواطن العادي، وتتجاهل التأثيرات السلبية والمدمرة علي مستوي معيشة المواطنين من أجل تجميل الصورة العامة للنظام من خلال اتفاقيات دولية غير مدروسة كقرض صندوق النقد الدولي الأخير في مصر.

كما أنني أري أن الاقتصاد المسموم هو ذلك النموذج الاقتصادي الذي يوظف آليات وأدوات مجحفة وسياسات اقتصادية متطرفة من أجل تحقيق أهدافه، كما في حالة خفض الدعم علي المحروقات والوقود وزيادة الضرائب وتعويم الجنيه وزيادة أسعار تذاكر وسائل النقل العام في مصر، وتتميز منظومات الاقتصاد المسموم الحاكمة كونها لا تلقي بالا لاعتراض المواطنين علي تلك القرارات والآليات المصاحبة، بل وتوظف القوة القمعية والأجهزة الأمنية من أجل تمرير هذه القرارات وإخضاع المواطنين لها.

كما تلجئ منظومات الاقتصاد المسموم والأنظمة التي تديرها إلى توظيف جميع الأدوات الإعلامية من أجل تغييب الوعي العام ونشر الأكاذيب والأوهام حول مدي فاعلية سياستها الاقتصادية، وتطلب دائما من المواطنين الانتظار والتضحية من أجل يوم الرخاء الذي لا يأتي أبدا، كما يتم توجيه هذه المنظومة الإعلامية الفاسدة لمهاجمة وتخوين أي قلم أو فكر يعترض علي تلك القرارات الاقتصادية أو يحاول نشر الوعي بين المواطنين، ويظهر ذلك جليا في الحالة المصرية عند رصد دور الإعلام الحكومي في مشروع تفريعة قناة السويس والمؤتمر الاقتصادي وقرض صندوق النقد الدولي وغيره.

إن الاقتصاد المسموم هو ذلك النوع من الاقتصاد الذي تبني فيه الأحلام علي أوهام وأكاذيب، ولا تري فيه الأرقام طريقا لحياة المواطنين ولا لواقعهم، فكيف يمكننا فهم العلاقة بين الرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي Linking Prosperity to Political Stability في ضوء هذا المفهوم الجديد للاقتصاد المسموم وكيف يمكننا إدراك التأثير المدمر لدولة العسكر في مصر علي المنظومة الاقتصادية المصرية وعلي إمكانية تحقيق الرخاء ورفع مستوي معيشة الأفراد، ذلك ما سوف نحاول إزاحة الستار عنه في الحلقة القادمة من تلك السلسلة.

الناشر: #Hossam_El-Shazly

القراء 0

التعليقات

salem_elkotamy

لعنةالله على نيابة أمن الإحتلال السيسرائيلي و الناهب السيسرائيلي الغام " #هيابنالنتحدلإسقاط_النظام_السيسرائيلي " #عسكرالإحتلال_لن_يذهبوا_سلماً_وإنما_مقاومةً_وغِلابا

#سالم_القطامي

هي مصر أدمنت تحرش أولاد العواهربها،وإستلذت القعاد على حجورعسس وعسكر ومماليك نطف العبيد الخونة،وألا إيه؟؟!! فإبن الخرمنجي خد مصر على حجره قرن ونصف القرن ،و إبن البوسطجي خد مصر على حجره عقدين من الزمان،وإبن التمرجي خد مصر على حجره عقدونيف،و إبن الحاجبجي خد مصر على حجره ثلاثة عقود،وإبن السفرجي خد مصر على حجره عام ونيف،وإبن الأويمجي هياخد مصر على حجره لإنتصاف القرن،مصرمغتصبة من أولاد السفاح،بعد أن تخلي شرفائها عن الجهاد والكفاح،فمتى يؤذن أئئمتها بحي على الصلاح،وحي على الجهاد،وحي على الفلاح؟!! #سالم_القطامي #عسكرسيسرائيل #سرحوهم_وإشلحوهم #سالم_القطامي لولم يكونوا عسكر خونة،ولو كان جيشا وطنيا حقيقيا،لكان من الممكن إستغلال وإستثمار مايحدث في سيناء كذريعة لإلغاء كامب ديفيد أو إعادة شروط إنتشار القوات فيها بحيث يتم زرع حدود سيناء بالسلاح والعتاد والبشر،والإستعداد لجولة تحرير أم الرشراش السليبة،لكن للأسف كل عسكر معسكركامب ديفيد خونة سيسرائيليين،يجب كسرهم وطردهم عند أسيادهم الصهاينة مثلهم مثل الخاين أنطوان لحد،وسعد حداد #سالم_القطامي #إضرب_في_المليان_أي_سيسرائيلي_جبان #سالم_القطامي #ياإخوان_إنهواعهدالإستسلام_وإبدأواعهدالإنتقام_من_أعداءالإسلام #سالم_القطامي #الإخوان_المسلمين_متى_سيتحولون_من_الإخوان_المسالمين_للإخوان_المسلحين_ومتى_للشرعيةسينتصرون؟؟!#هيانشكل_جماعةالإخوان_المسلحين_بديلاعن_ميليشيات_العسكرالسيسرائيليين ا يسألني أحدهم لماذا اللوبيهات الإنقلابية الداخلية المواقف الدولية،إحترموا ومجدوا "دستورية مصر" ويتجاهلون دستورية ليبيا بحل البرلمانين هنا وهناك؟!إنها المعايير المزدوجة ياسادة،فرغم عوار وكيدية شخوخ قضاة دستورية مصربحل أول وأصدق برلمان منتخب في تاريخ مصر،إلا إنهم هللوا له لإنه إستبعد أطهر وأنزه وأخلص فصيل في مصرألا وهم الإخوان المسلمين،وهم بعبع الغرب الصهيوصليبي،ووكلائهم من خونة الداخل،أما رفضهم وعدم إعترافهم بقرار دستورية ليبيا،رغم صحته،وذلك لإنه أنصف التيار الثوري ذي الصبغة الإسلامية،ولذلك لا غرابة في هذا التناقض المتسق في الحملة الصهيوصليبية على الإسلام #ياإخوان_إنهواعهدالإستسلام_وإبدأواعهدالإنتقام_من_أعداءالإسلام #سالم_القطامي

مقالات ذات صلة

نص نداء السفير السابق "معصوم مرزوق"

مبادرة هامة الخارطة طريق بهدف الخروج من الأزمة المصرية

مبادرة سعادة السفير معصوم مرزوق

إلي كل من يهمه الأمر،

الحرية # لأحمد المقدم

الدكتور حسام الشاذلي السكرتير العام للمجلس المصري للتغيير يخاطب مكتب رئيس الوزراء الإيطالي

مصر _ السعوديه ، الدرس الأخير ، من عك المهابيل ،

الاقتصاد والانتخابات في تركيا.. والأيدي الخفية

#عندما_يصبح_الموت_فرضا

الاقتصاد والانتخابات في تركيا: الأيدي الخفية (1)

Economy and Elections in Turkey: The Invisible Hands

مصر -روسيا : بين نجاح الفرد وفشل المجموعة ....

الإقتصاد و الإنتخابات في تركيا : الأيدي الخفية

مفهوم الإقتصاد المسموم والتطبيقات علي الحالة المصرية ، بقلم الدكتور حسام الشاذلي

تعليق الدكتور حسام الشاذلي حول خطة حكومة السيسي لزيادة الضرائب المفروضة علي الشعب المصري المطحون ،

الإقتصاد المسموم ودولة العسكر في مصر (٢)

سامحوني ، فكم أحببت العيد في مصر ........ كل عام وأنتم بخير

وكل عام وأنتم بخير عيد مبارك

الاقتصاد المسموم ودولة العسكر في مصر (2)

A Toxic Economy: The Egyptian Model by Hossam ElShazly

هل هناك "بشارة" في نقل السفارة؟ دكتور حسام الشاذلي المستشار السياسي والإقتصادي الدولي